فخر الدين الرازي
277
المطالب العالية من العلم الإلهي
الاعتبار عبثا محضا . فثبت بما ذكرنا : أن المقصود من بعثة الأنبياء وإنزال الكتب عليهم : ليس إلا هذه الأمور ، وثبت : أنها بأسرها لا تقرر إلا على القول بالعدل ، وإبطال القول بالجبر والجور . فثبت : أن جميع كتب اللّه ناطقة بفساد القول بالجبر « 1 » .
--> ( 1 ) في التوراة : « إن هذه الوصية التي أوصيك بها اليوم ، ليست عسرة عليك . ولا بعيدة منك . ليست هي في السماء ، حتى تقول : من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويسمعنا إياها ، لنعمل بها . ولا هي في عبر الحبر ، حتى تقول : من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويسمعنا إياها ، لنعمل بها . بل الكلمة قريبة منك جدا . في فمك وفي قلبك لتعمل بها » [ تثنية 30 : 11 - 14 ] . ومعلوم أن أ - الوصية هي الشريعة . ب - والغرض من الشريعة : العمل بها . ت - والعمل بها يستلزم أن يكون الإنسان قادرا على الفعل ، وقادرا على الترك . وفي الإنجيل : يستدل المسيح عليه السلام بنص التوراة السابق على كون الإنسان حرا . يقول المسيح : « أما كون الإنسان حرا ، فواضح من كتاب موسى . لأن إلهنا عندما أعطى الشريعة على جبل سيناء . قال هكذا : « ليست وصيتي في السماء لكي تتخذ لك عذرا قائلا : من يذهب ليحضر لنا وصية اللّه ؟ ومن يا ترى يعطينا القوة لنحفظها ؟ ولا هي وراء البحر ، لكي تعد نفسك كما تقدم . بل وصيتي قريبة من قلبك ، حتى إنك تحفظها متى شئت » . . . الخ [ برنابا 164 ] . وفي إنجيل لوقا يقول المسيح : « ولا تبتدءوا تقولون في أنفسكم : لنا إبراهيم أبا . لأني أقول لكم : إن اللّه قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم . والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر . فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا ، تقطع وتلقى في النار » [ لوقا 3 : 8 - 9 ] . وبولس قد حرف نص التوراة عن مواضعه - النص الذي استدل به المسيح على الحرية - بقوله : إن المراد من وصية اللّه هي الإيمان بالمسيح ربّا مصلوبا . وأما العمل فإنه غير واجب على الإنسان إذا آمن بالمسيح ، لأن المسيح ألغى الأعمال بصلبه فداء عن الخطايا . وتفسير بولس باطل لأنه إذا ألغى الأعمال ونادى بأن المسيح هو الإله الخالق للعالم . فإن يكون داعيا إلى هدم الشريعة من أساسها [ انظر الرسالة إلى أهل رومية ] . وفي القرآن الكريم يقول تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أي من كانت نيته متجهة إلى الضلال واستحب الضلال على الهدى . فإن اللّه يضله . ولقد سأل المسيح عن سبب ضلال اللّه لفرعون . فأجاب بقوله : « إنما فعله لأنه نكل بشعبنا وحاول أن يبغى عليه بإبادة كل الأطفال الذكور من إسرائيل ، حتى كاد موسى أن يخسر حياته » [ برنابا 66 ] .